مصيدة تحت عنوان وهمي

عاجل

الفئة

shadow
منجد شريف

تحت لافتةٍ براقة كـ“الطبابة بالأعشاب” أو “الشفاء الطبيعي”، تنشط فئة لا علاقة لها بالعلم ولا بالأخلاق. هم لا يبيعون علاجًا، بل ينسجون وهمًا؛ ولا يداوون جسدًا، بل يستبيحون عقولًا ونفوسًا. يبدأ الأمر بنصيحة عابرة أو خلطة “مجرّبة”، وينتهي بعلاقة تبعية تُدار بالخوف والإيحاء والشعوذة.

يعتمد هؤلاء على ثلاث أدوات أساسية: الجهل، والخوف، والحاجة. الجهل بماهية الطب الحقيقي، الخوف من المرض أو الفشل أو الوحدة، والحاجة إلى أمل سريع حين تضيق السبل. عندها يتحول “المعالج” إلى مرجع مطلق، يقرأ النوايا، ويفسّر الأحلام، ويزرع في ذهن الزبون فكرة أنّ خلاصه مشروط بالطاعة.

المشكلة لا تقف عند بيع أعشاب بلا فاعلية أو وصفات بلا سند. الأخطر هو الانتقال المتعمّد إلى ممارسة السحر والشعوذة: إيحاءات، طقوس، تهديدات مبطّنة، وربطٌ نفسي يجعل الضحية يصدّق أن الابتعاد عن “المعالج” يعني الخراب. هنا تتكوّن حلقة السيطرة: يُعزل الزبون عن محيطه، تُشكَّك نوايا أهله وأصدقائه، ويُعاد تفسير كل اعتراض على أنه “حسد” أو “طاقة سلبية”.

رجالًا كانوا أم نساءً، يقع الضحايا في الفخّ ذاته. فالآلية واحدة: تفضيل مصطنع، ووعود بالتميّز، ثم مطالب تتصاعد. ما يبدأ بثمن جلسة أو خلطة، قد ينتهي بتسليم القرار، والمال، والوقت، وحتى الكرامة. وكل ذلك تحت غطاء “العلاج” و”المحبة” و”السرّية”.

إن أخطر ما في هذه المصيدة هو تطبيع الوهم: حين يصبح غير العلمي مقبولًا، وغير الأخلاقي مبرَّرًا، وغير القانوني محميًا بالصمت. فالشعوذة لا تزدهر إلا في غياب المساءلة، وفي بيئة تساوي بين التجربة الشخصية والعلم، وبين الإيحاء والدليل.

المواجهة لا تكون بالتشهير، بل بـالوعي. بالتمييز الواضح بين الطب القائم على الدليل، والعلاج الشعبي المنضبط، وبين الدجل المقنّع. وبالتشديد على أن أي “معالج” يطلب الطاعة العمياء، أو العزلة، أو يزرع الخوف، هو إنذار أحمر لا شفاء عنده. وبقوانين تحمي الناس، وإعلام لا يروّج للغرابة على حساب الحقيقة.

في النهاية، الشفاء الحقيقي لا يحتاج سحرًا ولا أسرارًا. يحتاج علمًا، وأمانة، واحترامًا لحرية الإنسان. وكل ما عدا ذلك… مصيدة تحت عنوان وهمي

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة